كشف تحقيق صحفي أجراه مصطفى عبد الرؤوف أن معتقلين فلسطينيين تعرّضوا للتعذيب باستخدام أسلحة صعق كهربائي من إنتاج شركة «أكسون إنتربرايز» الأمريكية، المعروفة سابقًا باسم «تيزر إنترناشونال»، خلال احتجازهم في سجون ومراكز اعتقال إسرائيلية. وأفاد معتقلون أُفرج عنهم بأن هذه الأسلحة استُخدمت ضدهم بين عامي 2024 و2025، فيما لا تزال آثار الصعق ظاهرة على أجساد بعضهم.
ونشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية، بالتعاون مع شبكة «مراسلون عرب للصحافة الاستقصائية»، التحقيق الذي يشير إلى استمرار الشركة الأمريكية في توريد أسلحة تيزر أو ملحقاتها إلى جهات إسرائيلية، رغم اتهامات باستخدامها في تعذيب المعتقلين. ويأتي ذلك وسط تحذيرات منظمات حقوقية دولية من تصاعد الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، ومطالبات بفرض قيود على تصدير أسلحة الصعق الكهربائي.
آثار الصعق على أجساد المعتقلين الفلسطينيين
يروي عيسى، البالغ من العمر 43 عامًا، أنه تعرّض للاعتداء داخل أحد السجون الإسرائيلية بعد اعتقاله من مخيم جباليا للاجئين في يناير 2024. وكان عيسى قد فقد قدميه إثر قصف إسرائيلي استهدف منزله، قبل أن تعتقله القوات الإسرائيلية وتحتجزه في سجن عوفر، إلى أن أُفرج عنه في أكتوبر 2025.
وبحسب روايته، جرّ الجنود عيسى إلى قسم داخل السجن يُعرف باسم «جناح الجحيم»، ثم دفعوه بعنف إلى أحد الأركان وأطلقوا عليه رصاصتين مطاطيتين. وبعد تقييده بإحكام، واصل الجنود الاعتداء عليه، قبل أن يستخدم أحدهم سلاحًا للصعق الكهربائي ضد جسده.
ولا تزال آثار الصدمات الكهربائية ظاهرة على جسد عيسى بعد مرور أكثر من عام ونصف على الواقعة. ويرى المجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب أن تقارب الندوب المزدوجة يشير إلى احتمال تعرّضه لصدمات كهربائية متكررة أثناء تقييده بإحكام.
ولم تقتصر الاتهامات على عيسى؛ إذ قال ثلاثة معتقلين فلسطينيين آخرين أُفرج عنهم إن القوات الإسرائيلية عذّبتهم باستخدام أسلحة من إنتاج شركة «أكسون» خلال عامي 2024 و2025. وأشار أحدهم إلى أن الجنود سكبوا الماء على جسده قبل صعقه بالكهرباء، موضحًا أنه لا يزال يعاني اضطرابات شديدة في الرؤية وتشنجات ونوبات إغماء متكررة.
اتهامات بالتعذيب ومطالبات بمحاسبة المسؤولين
تتزامن هذه الشهادات مع تقارير حقوقية وثّقت استخدام الصعق الكهربائي وغيره من أساليب التعذيب وسوء المعاملة داخل مرافق الاحتجاز الإسرائيلية. ففي أغسطس 2025، سلّطت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية الضوء على تعرّض معتقلين للتعذيب بالصعق الكهربائي داخل سجن جلبوع، قبل جرّهم إلى أماكن الاستحمام في ساحة السجن، وإغراقهم بالماء ثم صعقهم مجددًا. ولم تحدد الهيئة طراز السلاح المستخدم.
وفي نوفمبر 2025، تناولت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب مزاعم التعذيب داخل مرافق الاحتجاز الإسرائيلية، بما في ذلك استخدام الصدمات الكهربائية، مشيرة إلى تصاعد حاد في التعذيب وسوء المعاملة منذ 7 أكتوبر 2023. وأعربت اللجنة عن قلق بالغ إزاء الاتهامات الواسعة بالاعتداءات الجنسية على المعتقلين الفلسطينيين، بما يشمل الاغتصاب وأشكال التعذيب ذات الطابع الجنسي والصعق الكهربائي للأعضاء التناسلية والشرج.
كما كشف تحقيق أجراه المدعي العام العسكري الإسرائيلي، إيتاي أوفير، بشأن خمسة جنود اتُّهموا بالاعتداء الجنسي على معتقل فلسطيني داخل مركز سدي تيمان في يوليو 2024، عن استخدام سلاح تيزر أثناء تعذيب المعتقل، الذي احتاج لاحقًا إلى العلاج في المستشفى.
ووفق تقرير صادر عن مجموعة من المنظمات الإسرائيلية غير الحكومية، توفي 92 فلسطينيًا أثناء الاحتجاز منذ أكتوبر 2023، بينما لم يُحاكم سوى جندي إسرائيلي واحد بتهمة إساءة معاملة أسرى فلسطينيين من قطاع غزة.
وقالت أماني السرحانة، من نادي الأسير الفلسطيني، إن الصعق الكهربائي قد يكون واحدًا من عشرات أنواع الأسلحة المستخدمة ضد الأسرى الفلسطينيين، مشيرة إلى عدم توافر معلومات مؤكدة عن أنواع تلك الأسلحة أو الشركات التي تنتجها. وأضافت أن معظم الأسلحة التي تستوردها إسرائيل تأتي من الولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
«أكسون» تواصل توريد أسلحة الصعق إلى إسرائيل
رغم الاتهامات المتكررة، يشير التحقيق إلى أن شركة «أكسون إنتربرايز» واصلت إبرام عقود مع جهات إسرائيلية لتوريد أسلحة تيزر أو ملحقاتها. وفي يونيو 2025، عرضت الشركة أحدث طرازات أسلحتها للصعق الكهربائي أمام أجهزة أمنية إسرائيلية خلال مؤتمر عُقد في إسرائيل.
كما أظهرت مقاطع فيديو أنتجتها مصلحة السجون الإسرائيلية خلال العام الماضي سلاحًا يشبه أسلحة تيزر التي تصنعها الشركة الأمريكية. وقال المعتقلون الأربعة الذين شملتهم المقابلات إن السلاح الذي يظهر في هذه المقاطع يشبه الأداة التي استُخدمت لتعذيبهم داخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية.
ودعت منظمة العفو الدولية إلى فرض قيود على تصدير أسلحة الصعق الكهربائي، مشيرة إلى أنها وثّقت على نطاق واسع المخاطر التي تشكلها هذه الأسلحة على حقوق الإنسان. كما سبق أن طالبت بإدراج معدات إنفاذ القانون هذه ضمن معاهدة تجارة الأسلحة التابعة للأمم المتحدة، التي تنظم التجارة الدولية في الأسلحة التقليدية.
وفي المقابل، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن إساءة معاملة المعتقلين محظورة حظرًا صارمًا، وإن استخدام القيود بحقهم يقتصر على «الظروف الاستثنائية التي تبرر استخدامها»، وفق القانون الإسرائيلي والقانون الدولي وأوامر الجيش.
وطلبت صحيفة «الجارديان» تعليقًا من شركة «أكسون إنتربرايز» ومصلحة السجون الإسرائيلية، لكن التحقيق لم يورد ردًا عنهما.
غيّرت الصحيفة أسماء المعتقلين الواردة في التحقيق حفاظًا على هوياتهم.

